محمد بن جرير الطبري
13
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
رِجالِكُمْ قال : نزلت في زيد ، إنه لم يكن بابنه ؛ ولعمري ولقد ولد له ذكور ، إنه لأبو القاسم وإبراهيم والطيب والمطهر وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ أي آخرهم وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً . حدثني محمد بن عمارة ، قال : ثنا علي بن قادم ، قال : ثنا سفيان ، عن نسير بن ذعلوق ، عن علي بن الحسين في قوله : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ قال : نزلت في زيد بن حارثة . والنصب في رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى تكرير كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والرفع بمعنى الاستئناف ، ولكن هو رسول الله ، والقراءة النصب عندنا . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ فقرأ ذلك قراء الأمصار سوى الحسن وعاصم بكسر التاء من خاتم النبيين ، بمعنى أنه ختم النبيين . ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : " ولكن نبيا ختم النبيين " فذلك دليل على صحة قراءة من قرأه بكسر التاء ، بمعنى أنه الذي ختم الأنبياء صلى الله عليه وسلم وعليهم ؛ وقرأ ذلك فيما يذكر الحسن وعاصم : خاتَمَ النَّبِيِّينَ بفتح التاء ، بمعنى أنه آخر النبيين ، كما قرأ : " مختوم خاتمه مسك " بمعنى : آخره مسك من قرأ ذلك كذلك . القول في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً . . . يُصَلِّي عَلَيْكُمْ . . . سَلامٌ يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله اذكروا الله بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم ذكرا كثيرا ، فلا تخلو أبدانكم من ذكره في حال من أحوال طاقتكم ذلك وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا يقول : صلوا له غدوة صلاة الصبح ، وعشيا صلاة العصر . وقوله : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ يقول تعالى ذكره : ربكم الذي تذكرونه الذكر الكثير ، وتسبحونه بكرة وأصيلا ، إذا أنتم فعلتم ذلك ، الذي يرحمكم ، ويثني عليكم هو ، ويدعو لكم ملائكته . وقيل : إن معنى قوله : يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ يشيع عنكم الذكر الجميل في عباد الله . وقوله : لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يقول : تدعو ملائكة الله لكم ، فيخرجكم الله من الضلالة إلى الهدي ، ومن الكفر إلى الإسلام . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً يقول : لا يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما ، ثم عذر أهلها في حال عذر ، غير الذكر الصلاة ، فإن الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله ، قال : فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ بالليل والنهار في البر والبحر ، وفي السفر والحضر ، والغنى والفقر ، والسقم والصحة ، والسر والعلانية ، وعلى كل حال ، وقال : سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته قال الله عز وجل هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا صلاة الغداة ، وصلاة العصر . وقوله : لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي من الضلالات إلى الهدى . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ قال : من الضلالة إلى الهدى ، قال : والضلالة : الظلمات ، والنور : الهدى . وقوله : وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً يقول تعالى ذكره : وكان بالمؤمنين به ورسوله ذا رحمة أن يعذبهم وهم له مطيعون ، ولأمره متبعون تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ يقول جل ثناؤه : تحية هؤلاء المؤمنين يوم القيامة في الجنة سلام ، يقول بعضهم لبعض : أمنة لنا ولكم